صديق الحسيني القنوجي البخاري

248

أبجد العلوم

ما يحلو . وليس يخشى على من قد ثبت قدمه في علم الشرع من شيء ، وإنما يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب والسنة ، فإنه ربما يتزلزل وتخور قوته . فإذا قدمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت واستكثر من الفنون ما أردت ، وتبحّر في الدقائق ما استطعت ، وحارب من خالفك وعذلك وشنّع عليك بقول القائل : أتانا أنّ سهلا ذمّ جهلا * علوما ليس يعرفهنّ سهل علوما لو دراها ما قلاها * ولكنّ الرضا بالجهل سهل وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ولا يتصوره بوجه من الوجوه . ولقد وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعا عظيما وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي البحت ومن لا اشتغال له بالدليل . وأما الأهلية التي يكون صاحبها محلّا لوضع العلم فيه وتعليمه إياه فهي شرف المحتد وكرم النّجار وظهور الحسب ، أو كون في سلف الطالب من له تعلق بالعلم والصلاح ومعالم الدين ، أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب ، فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور ، ويحول بينه وبين الرذائل . وأما من كان سقط المتاع وسفساف أهل المهن كأهل الحياكة ، والعصارة ، والقصابة ، ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة فإن نفسه لا تفارق الدناءة ، ولا تجانب السقوط ، ولا تأبى المهانة . فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور منها العجب والزهو والخيلاء والتطاول على الناس ، ويعظم به الضرر على أهل العلم فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم . وأما من كان أهلا للعلم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفا إلى شرفه ، ويكتسب به من حسن السمت ، وجميل التواضع ، ورائق الوقار ، وبديع الأخلاق ما يزيد علمه علوا وعرفانه تعظيما . وبين هاتين الطائفتين طائفة ثالثة ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء جعلوا العلم مكسبا من مكاسب الدنيا ، ومعيشة من معايش أهلها ، لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم ، ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم . كما يشاهد في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة أو ما هو شبيه بهذه الأمور . فهذا ليس من